قصة التواضع المواقف
في أحد الأيام، دعاني صديق الطفولة، حسام الدين فوال المحب لله، لمرافقته إلى محاضرة للشيخ الداعية محمد راتب النابلسي، والتي أقيمت في معرض الشهيد رشيد كرامي الدولي . في ذلك اليوم، عايشت موقفًا لا يُمحى من ذاكرتي، موقفًا طغى على كل ما استمعت إليه في المحاضرة، وعلّمني الكثير.
يشتهر الشيخ الداعية محمد راتب النابلسي بجمهور واسع من المسلمين السنة في لبنان والعالم . وقد كان الإقبال على محاضرته في طرابلس كبيرًا جدًا، حيث توافد ما يقارب الآلاف . تخيّل أخي القارئ أنني كنتُ جزءًا من هذه الحشود الغفيرة!
خالجني شعور بأن " الخروج عند إنتهاء المحاضرة.سيكون صعبا جدا" فبدأت أنتظر انتهاء الشيخ راتب من محاضرته، لكي أنسحب قبل تدافع محبيه. وبعد التشاور مع حسام الدين، اتفقنا على الانتظار حتى خروج معظم الحضور. وبالفعل، انتهت المحاضرة، لكن قلة قليلة غادرت، في حين تجمهر الباقون حول الشيخ لمصافحته وشكره.
وهنا تتجلى الشخصية المحورية في قصتنا، والتي جعلتني أنسى تفاصيل المحاضرة: حسن العلي. وبينما كنت أحاول الخروج، لمحته يلقي عليّ تحية خاطفة. كان حسن العلي مرافقًا للشيخ، ولا أعلم إن كان مكلفًا بأمنه أم أن الأمر نابع من محبته. وأثناء محاولتي شق طريقي للخروج من الممر، ظهر الشيخ وخلفه حشود غفيرة. بدأت أبحث بعينيّ عن جدار لأستند إليه خشية السقوط تحت الأقدام المؤمنين. يا له من منظر مهيب! وفجأة، وجدت نفسي على بعد أقل من متر من الشيخ راتب النابلسي مددت يدي لمصافحته وشكره، ولكن لم أفلح. وبعد لحظات، انفضّ الجمع، وأصبحت وحيدًا مع حسام في الممر.
وفيما كنت أخطو خطوات متثاقلة نحو الخارج، ظهرت الحشود مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت متجهة نحوي! سألت حسام: "ما الأمر؟ لما هم عائدون؟" فكانت المفاجأة أن حسن شق طريقه عبر الحشود، وهمس في أذن الشيخ بأن شخصًا من ذوي الإعاقة يرغب في مصافحته، ولكنه لم يتمكن من ذلك. وهنا تجلى تواضع الشيخ الجليل ، فلم يتردد لحظة، بل بادر بالتوجه نحوي ليصافحني ويجبر خاطري بكلمات سأرويها لكم لاحقًا.
هذا هو حسن العلي: الصديق المُبادر، رقيق الإحساس، المُحب للخير، والمُتَواضع. يسعى دائمًا لتقديم المساعدة والعون للآخرين، ويتجلى ذلك في اهتمامه بمشاعري، وحرصه على إيصال رغبتي للشيخ،
أما الشيخ محمد راتب النابلسي، فقد ضرب أروع الأمثلة في التواضع.
فعلى الرغم من مكانته الرفيعة وعلمه الغزير، لم يتردد في تلبية رغبة شاب من ذوي الإعاقة، بل أتى إليه بنفسه ليصافحه ويجبر خاطره.
هذا الموقف يعلمنا درسًا بليغًا في التواضع، ويؤكد أن الإنسان مهما بلغ من العلم والمكانة، يجب أن يظل متواضعًا، قريبًا من الناس، ساعيًا لقضاء حوائجهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق